محمود ماضي

102

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

الرابع : أن عيسى قال . . ( وأنتم أيضا تستهدون لأنكم معي من الابتداء ) فهذا القول يدل دلالة ظاهرة على أن شهادة الحواريين غير شهادة ( فارقليط ) فلو كان المراد الروح النازل يوم الدار فلا توجد مغايرة للشهادتين لأن الروح المذكور لم يشهد شهادة مستقلة غير شهادة الحواريين بل شهادة الحواريين هي شهادته بعينها . فلا يصح هذا القول بخلاف ما إذا كان المراد به النبي المبشر فإن شهادته غير شهادة الحواريين » « 1 » . خلاصة هذا أن اللّه تعالى سيبعث نبيا آخر ( فارقليط ) يقوم مقام المسيح في تبليغ رسالة ربه وسياسة الخلق وهذا النبي لم يعاصر المسيح وإنما جاء بعده وهذا معنى قول المسيح « الحق أنه من الخير لكم أن انطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إذا ذهبت أرسله لكم » أي أنهما لا يجتمعان في زمن واحد لأن المسيح علق مجيئه بذهابه . . . والمعزى هو روح الحق الذي لا يتكلم من نفسه وإنما بوحي من اللّه « وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل بكل ما يسمع ويخبركم بأمور آتية » « 2 » . بعد ذلك نشير إلى أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » لو تقول على اللّه شيئا من عنده لجاءه القتل عقابا سريعا لا راد له من اللّه : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) [ الحاقة : 44 - 47 ] . ونجد التوراة تذكر أن الموت العاجل لا بد وأن يفاجئ كل من يدعى كذبا أنه نبي للّه يوحى إليه ويتكلم باسمه زورا « وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي » « 3 » . بل جاء في السامرية : « فليقتل ذلك النبي » فالموت هنا لا يعنى به الموت الطبيعي الذي تذوقه كل نفس وإنما يقصد به القتل أو الموت غير الطبيعي الذي ينهى حياة مدّعى الرسالة كذبا . ووسائل هذا الموت العاجل كثيرة مثل : القتل أو الغرق ونحوه لأنها وسائل تفضى إلى الموت العاجل . وأمثلة ذلك ما جاء في التوراة : « نهاية كل بشر قد أتت أمامى لأن الأرض قد امتلأت ظلما منهم . فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء كل ما في الأرض يموت . . . » وكان الطوفان على الأرض

--> ( 1 ) - رحمة اللّه الهندي المصدر السابق . ( 2 ) - يوحنا 16 : 7 ، 13 . ( 3 ) - تثنية : 18 : 20 .